السيد محمد باقر الحكيم
150
دور أهل البيت ( ع ) في بناء الجماعة الصالحة
« أما بعد ، فإن اللّه سبحانه وتعالى خلق الخلق حين خلقهم غنياً عن طاعتهم ، آمناً من معصيتهم ; لأنه لا تضره معصية من عصاه ، ولا تنفعه طاعة من أطاعه ، فقسم بينهم معايشهم ، ووضعهم من الدنيا مواضعهم ; فالمتقون فيها هم أهل الفضائل : منطقهم الصواب وملبسهم الاقتصاد ، ومشيهم التواضع . غضوا أبصارهم عما حرم اللّه عليهم ، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم . نُزّلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نُزّلت في الرخاء ، ولولا الأجل الذي كتب اللّه عليهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين ; شوقاً إلى الثواب وخوفاً من العقاب . عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم . فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون ، وهم والنار كمن قد رآها ، فهم فيها معذبون . قلوبهم محزونة ، وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة ، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة . صبروا أياماً قصيرة أعقبتهم راحة طويلة ; تجارة مربحة يسرَّها لهم ربهم . أرادتهم الدنيا فلم يريدوها ، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها . أما الليل فصافون اقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونها ترتيلاً ، يحزِّنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم ; فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً ، وتطلّعت نفوسهم إليها شوقاً ، وظنّوا أنها نصب أعينهم ، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم ; فهم حانون على أوساطهم ، مفترشون لجباههم وأكفهم وركبهم وأطراف اقدامهم ، يطلبون إلى اللّه تعالى في فكاك رقابهم ، وأما النهار فحلماء علماء ، أبرار أتقياء ; قد براهم الخوف بري القِداح ، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى ، وما بالقوم من مرض ، ويقول : لقد خولطوا ! ولقد خالطهم أمرٌ عظيم ; لا يرضون من أعمالهم القليل ، ولا يستكثرون الكثير ، فهم لأنفسهم متهمون ، ومن أعمالهم مشفقون ; إذا زكي أحدٌ منهم خاف مما يقال له ، فيقول : أنا اعلم بنفسي من غيري ، وربي اعلم بي مني بنفسي . اللهم لا تؤاخذني بما يقولون ،